السلمي
433
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
الخلق ، وصال به عليهم فقد خرج من حدود الفقراء ودخل في حدّ المحتاجين . والتواضع في الفقر أن لا يقع بصره على أحد إلا رأى فضله بمشاهدة نقصانه ، فإنه من نقصانه على يقين ؛ ومن عيوبهم على توهّم ؛ فمن رضي عن نفسه بعد علمه بها فقد أظهر جهله . ولا يتكبّر أحد إلّا بعد رضاه عن نفسه ، فإذا رضي حاله استعظمه ، ومن استعظم شيئا من أحواله صغّره اللّه تعالى به وذلّله فيه . وعلامة المتسوّق بفقره طلب الشهوة والذكر به ، وعلامة المتحقّق فيه طلب الخمول والكون مع الناس كواحد منهم ، وطلب الزيادة فيما بينه وبين ربّه بآداب فقره . فهو في الظاهر كعوام الخلق وفي الباطن كخواصّ الأولياء . [ الفقر المحمود والمذموم : ] والفقر المحمود هو خلوّ السرّ عن الكون بما فيه ، والافتقار إلى اللّه تعالى ظاهرا وباطنا . والفقر المذموم هو ترك الدنيا في عينه وذلك لاستحسان حاله عنده ومن استحسن شيئا من أحواله حرم بركتها وحمله ذلك على ركوب الدعاوى المهلكة . والفقير من تزيّن فقره بنفسه لا من تزيّن نفسه بفقره . والدّنيا كلها شيئان : طلب القبول وحبّ الرياسة ، فمن أحبّهما فقد استولى به على الدنيا من حيث يظنّ تركها . وإنّ أبناء الدنيا وطالبيها يبذلون ما يملكون في طلب هاتين المنزلتين . فمن طلبها من الفقراء فقد أربى على أبناء الدنيا وهم أحسن حالا منه ؛ لأنهم طلبوه بالأسباب وهو طلبه بالدين ! ولا يصل أحد إلى حقيقة الفقر إلّا بعد أن يكون دخوله فيه من